المسيح الراعي


لغويا رعي الشيء حفظه وتولّى أمره ، والراعي هو من يحفظ القطيع ويرعاه ، وكل من ولّي أمرا بالحفظ والتدبير، وكان صاحب الماشية يقوم برعاية ماشيته بنفسه أحيانا (تك 4 : 4 ، 30 : 4 ، انظر حز 34 : 12) ، ولكن كان في الغالب يعهد صاحب الماشية بذلك إلى أبنائه (تك 37 : 2 ، 1 صم 17 : 11 و 19) أو إلى بناته (تك 29 : 9 ، خر 2 : 16، 17) أو لأحد أقربائه (تك 30 : 31 ، 31 : 6) وكان في ذلك ضمان لحسن رعاية القطيع. أمّا إذا عهد إلى أجير، فقد يهملها أو يتركهم في ساعة الخطر ( إش 56 : 10 و 11، حز 34 : 8 ، 10 ، زك 11 : 15 ، 17 ، يو 10 : 12 ، يهوذا 12). وقد كان هابيل راعيا للغنم (تك 4 : 2)، وكذلك كان إبراهيم واسحق ويعقوب وأولاده ( تك 13 : 7، 26 : 20، 30 : 36، 37 : 22، 23). كما كان موسى يرعى غنم يثرون حميه عندما دعاه الله ليخرج شعبه من مصر (خر 3 : 1)، وكذلك كان داود يرعى غنم أبيه عندما مسحه الله ملكا على إسرايل ( 1 صم 16 : 11، 12 ) . فكانت حياة الراعي خير إعداد لمن يختاره الرّب ليرعى شعب الله (أنظر عا 1 : 1، 7 : 5). ومن واجبات الراعي أن يقود القطيع إلى المراعي الجيّدة حيث يتوفّر الغذاء والماء (مز 23 : 2). وقد يقتضي ذلك أن يقطع الراعي وقطيعه مسافات طويلة إلى حيث يجد لها المرعى الجيّد، وهناك قد يقيم في خيمة (نش 1 : 8). وكانت العادة في أرض فلسطين أن يسير الراعي أمام القطيع، لا أن يسوقه أمامه (يو 10 : 4). كما أنّ على الراعي أن يحمي قطيعه من الحيوانات المفترسة (1 صم 17 : 34 ، 35 ، حز 34 : 5 ، عا 3 : 12)، ومن اللصوص (يو 10 : 1)، وأن يهتم بالمريض، ويعصب المجروح، ويجبر الكسير، ويستردّ المطرود، ويطلب الضالّ (حز 34 : 4)، وأن يولي المرضعات عناية خاصّة، وأن يجمع الحملان وفي حضنه يحملها (إش 40 : 11)؛ وكانت الغنم تعرف صوت راعيها وتميّزه عن صوت الغرباء (يو 10 : 3 – 5) .
وتستخدم كلمة " راع " كثيرا في الكتاب المقدّس للدلالة على الرعاية الروحيّة (مز 23 : 1 ، 80 : 1 ، جا 12 : 11 إش 40 : 4 ، 63 : 14 ، إر 31 : 10 ، حز 34 : 23 ، 37 : 24 ، يو 21 : 15 – 17 ، أف 4 : 11 ، 1 بط 5 : 1 – 4)، كما تستخدم للدلالة على الرعاية في الأمور الزمنية (إش 44 : 28، 63 : 11). ويشبهِّ الكتاب الأمم والأفراد المساكين الذين لا يعرفون الله "بالغنم التي لا راعي لها" (عد 27 : 17، 1 مل 22 : 17، 2 أخ 18 : 16 ، حز 34 : 8 ، زك 10 : 2، مت 9 : 36، مر 6 : 34) . ولقد قال يعقوب – قبيل موته – في وصفه لعلاقته بالله: "الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم" (تك 48 : 15). كما تغنّى داود بالقول : "الرب راعي" (مز 23 : 1)، وخاطب أساف الله قائلا: "يا رب راعي إسرايل" (مز 80 : 1، إش 40 : 11، إر 31 : 10، حز 34 : 12) هذا هو إذا الراعي حضاريا وثقافيا في مجتمع عاش وتربّى فيه يسوع.
إنّ لقب الراعي إذا و الذي استخدمه كتّاب العهد الجديد خاصّة يوحنا (يو 10)، مرقس (14: 27)، متّى (26: 31)، والذي ورد أيضا في عبرانيين 13: 20، 1 بط 2: 25 في وصفهم ليسوع بالراعي الصالح، يحتوي في الآن ذاته إشارة إلى العهد القديم وتحديدا المزمور 23: "الرب راعي فلا يعوزني شيء..."، و كما رأينا سابقا أنّ  مهنة رعاية الماشية هي من أقدم المهن التي عرفها التّاريخ البشري، و قد إنتشرت بشكل كبير في منطقة الشرق الأدنى القديم وخاصّة في منطقة فلسطين المعروفة بتضاريسها السهلية التي تسمح بممارسة مثل هذه المهنة، هذه هي البيئة التي عاش فيها يسوع. إذ لم يكتف يسوع في الإشارة إلى ذاته بأنّه راع فقط؛ وإنمّا تعمّق في ذلك بوصفه الراعي الصالح، وفي هذا الجزء يعلّق الدارسين بأنّ اللفظ اليوناني المستخدم  καλο/ς  لا يعني فقط جيّد بل أيضا جميل ومرغوب، ويرون في ذلك أنّ هناك من الأكيد أمرا ما في يسوع كراع تجعله محبوبا ومرغوبا من الآخرين.  فالربّ يسوع هو "الراعي الصالح" (يو 10 : 14) ، و "رئيس الرعاة" (1 بط 5 : 4)، "وراعي الخراف العظيم" (عب 13 : 20) ، وهو الراعي الوحيد (يو 10 : 16)، "فهو كراعٍ يرعى قطيعه؛  بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها ويقود المرضعات" (إش 40 : 11 )، وما أجمل صورة الراعي وهو يولي الشاة – وهي تلد – كلّ حنان ورعاية، ثم يلتقط الحمل المولود ويحمله بين ذراعيه ، ويظلّ يوليه عنايته إلى أن يشتدّ عوده ويقوى على السير بمفرده ، فهكذا يصنع معنا راعينا الصالح الربّ يسوع المسيح له كلّ المجد، بواسطة روحه الذي يحيا فينا ليعزينا ويقوّينا في معرفته.

بقلم/  بسمة دبّور جاءبالله

تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا
abuiyad